الأربعاء، 8 يوليو 2015

بين الطبيب والمريض


 بين الطبيب والمريض
الدكتور حسان شمسي باشا
مهنة الطب من أشرف المهن شريطة أن يمارس الطبيب مهنته بإخلاص وإتقان ، وأن يلتزم الطبيب بالخلق الكريم .
وعلى الطبيب أن يدرك أنه مهما بلغ علمه ، فإن أسرار الجسم البشري لا يزال أكثرها مغلقا ، ومازال الطب عاجزا عن إدراك العديد من تلك الأسرار .
ويعبر عن ذلك عنترة العبسي بقوله :
          يقول لك الطبيب دواك عندي                           إذا ما جس كفك والذراعا
          ولو عرف الطبيب دواء داء                           يرد الموت ما قاسى النزاعا
ولا يستطيع الطبيب ، مهما أوتي من علم وخبرات ، أن يدفع أمر الله إذا حل بالمريض . وكثير منا يعرف حالات مات فيها الطبيب قبل مريضه ، بل ربما مات بنفس المرض الذي كان يعالج مريضه منه . وفي ذلك يقول الشاعر :
          إن الطبيب بطبه ودوائه                                لا يستطيع دفاع أمر قد أتى
          ما للطبيب يموت بالداء الذي                          قد كان يبرئ منه فيما قد مضى
          مات المداوي والمداوى والذي                         جلب الدواء وباعه ومن اشترى
أعرف طبيبا كان يعمل معنا في المستشفى ، كتب في ملف مريضه أن مرضه خطير
وكان المريض مصابا بالسرطان - وأنه ربما لا يعيش أكثر من أشهر معدودات .
ولم تكد تمضي تلك الأشهر المعدودات حتى مات الطبيب بسرطان انتشر في جسمه ، ومرت سنوات وذاك المريض بخير وعافية . تأملت فيما كتب ذلك الطبيب وقلت :
يا سبحان الله !! وتذكرت قول الشاعر :
          وكم من مريض نعاه الطبيب                           إلى نفسه وتولى كئــيـبا
          فمات الطبيب وعاش المريض                         فأضحى إلى الناس ينعي الطبيبا
وتذكرت قول علي بن الجهم :
          كم من عليل قد تخطاه الردى                           فنجا ومات طبيبه والعود
والأعمار كلها بيد الله . ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) . ولا تعرف من يسبق إلى الموت : الطبيب أم المريض ؟!
ويقول الخليل بن أحمد الفراهيدي مذكرا بالاستعداد لذلك اليوم :
          وقبلك داوى الطبيب المريض                          فعاش المريض ومات الطبيب
          وكن مستعدا لدار الفناء                                فإن الذي هو آت قريــب
فإذا ما سمع مريض من طبيبه أن حياته غدت قصيرة ، وأن أيامه أصبحت معدودات ـ فلا ييأسن ولا يقنط من رحمة الله . فما اطلع الطبيب على غيب ، ولا علم أن أحدا يموت غدا ، إنما هو تخمين الطبيب حسب المعطيات العلمية المتوفرة لديه .
الشفاء بيد الله :
أعجبني مثل بلجيكي يقول " الله يشفي والطبيب يؤجر " . والله تعالى يقول في محكم كتابه منذ أن خلق الخلق : ( وإذا مرضت فهو يشفين ) .
ويذكر ابن نباته السعدي أن تناول الدواء لا يمنع قضاء الله ، فالشفاء بيد الله وحده :
          نعلل بالدواء إذا مرضنا                                 وهل يشفي من الموت الدواء ؟
          ونختار الطبيب وهل طبيب                             يؤخر ما يقدمه القضاء ؟
          وما أنفاسنا إلى حساب                                 ولا حركاتنا إلا فناء
ويقول ابن مقلة :
          يمنيني الطبيب شفاء عيني                            وهل غير الإله لها طبيب
ويؤكد الفرزدق ذلك المعنى بأن الشفاء بيد الله وحده لا بمن يعطيك الدواء :
          يا طالب الطب من داء تخوفه                          إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
          فهو الطبيب الذي يرجى لعافية                         لا من يذيب لك الترياق بالماء
ولا شك أن كل إنسان ، كائنا من كان ، يلجأ في ساعات اليأس والشدائد إلى الله وحده . يقول الربيع بن خيثم :
          فأصبحت لا أدعو طبيبا لطبه                           ولكنني أدعوك يا منزل القطر
ولا بد من الإشارة إلى أن على الطبيب أن يمنح المريض إحساسا بالأمل والرجاء ، وأن يبعث في نفسه الطمأنينة ، فإن ذلك يساعده على الشفاء من مرضه ، والطمأنينة والسكينة تقوي جهاز المناعة عند المريض ، وتشد من عزيمته ، وترفع معنوياته .
وحديثا صدر كتاب أمريكي للدكتور هربرت بنسون بعنوان Timeless healing يتحدث عن كيف أن الإيمان يقوي مناعة المريض ويقهر الأمراض .
والأطباء - كما يقول أخي وصديقي الدكتور زهير السباعي - يختلفون في تعاملهم مع المريض بمرض ميؤوس من شفائه ..
فهناك من يطمئن المريض ، ويفتح له طاقات الأمل ، ويرجيه بالشفاء ، وقد يكذب عليه أحيانا .
وهناك من يواجه مريضه بالحقيقة سافرة ، ويترك المريض يتفاعل مع الحدث ، على أمل أن يتغلب على المشكلة ويواجهها .
وهناك من يداري ويواري ويتخلص من الموقف" .
يقول أبو العلاء ، وهو يسأل أحد الأطباء أن يتريث فلا يخبر المريض بقرب موته ، عسى الله أن يشفيه من مرضه :
          نعى الطبيب إلى مضنى حشاشته                       مهلا طبيب فإن الله شافيه
أجرة الطبيب :
يستحق الطبيب - وكل صاحب مهنة - أجرة على عمله وخدماته . وقد حل الإسلام مسألة أجرة الطبيب حلا عادلا عظيما . قال تعالى : ( وإذا مرضت فهو يشفين )
فالشفاء بيد الله لا بيد الطبيب ، ولذلك فإن أجرة الطبيب على أساس ما يبذل من جهد لا على الشفاء ، لأن الشفاء خارج عن قدرته . ولو جعل الله الشفاء بيد الطبيب ، لما استطاع الإنسان أن يوفي للطبيب أجره ، بل لما استطاعت الحكومات ذلك ، لأن الإنسان لا يقدر بثمن . ولا يحق للطبيب أن يمن على المريض بالشفاء ، وفي ذلك رفع لكرامة المريض .
الأطباء والإيمان :
والحقيقة أن الأطباء من أكثر الناس اطلاعا على أسرار ذلك المخلوق الذي سخر الله له ما في الأرض جميعا ، ثم دعانا الله للتفكر في تلك الأسرار . قال تعالى :
( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )
ويعجب أبو العلاء المعري من إلحاد بعض الأطباء فيقول :
          عجبي للطبيب يلحد في الخا                           لق من بعد درسه التشريحا
 
ويقول الطبيب الشاعر عزت شندي موسى في ديوانه " مع الله ورسوله " :
          إن آمن العلماء كان طبيبهم                            هو أسرع العلماء للإيمان
          فلقد رأى الإعجاز في الخلق الذي                      قد صور الخلاق في الحيوان
          فالكبد يقظى حين أنك نائم                              وتبيت في عمل مع المصران
          والعين تبصر في نظام معجز                           والمخ يعقل ما ترى العينان
          والأذن تسمع في اتساق مذهل                          والعقل يفهم ما تعي الأذنان
          فلتؤمنوا بالله ملء قلوبكم                              هل بعد هذا الكشف من برهان
ولعل من أبلغ القصص التي تروى في تأثير الإيمان على المريض قصة عروة بن الزبير
- وكان من أجل علماء المسلمين - لما أصر الأطباء على ضرورة قطع رجله بعد أن أصيب بمرض فيها . عرضوا عليه الخمر ليسكروه كي لا يحس بألم القطع فأبى ، وقال :
" إني سأدخل في ذكر الله ، فإذا رأيتموني استغرقت فيه فشأنكم بها .. وذكر الله ، فلما رأوه استغرق ، بدأت العملية ، وقطعوا اللحم بالسكين المحمى بالنار ( للتعقيم ) ، حتى إذا بلغوا العظم نشروه بالمنشار ، وهو يهلل ويكبر ، ثم حموا الزيت في مغارف الحديد ، حتى إذا غلى كووه بها فأغمي عليه . ولما أفاق الشيخ من غشيته ، رأى القدم في أيديهم، فأخذ يقلبها وهو يقول : أما والذي حملني عليك ، إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط " .
مصارحة الطبيب :
وسواء كان المريض مصابا بمرض في جسده ، أو بهموم في نفسه ، فلا بد أن يشرح ذلك للطبيب . يقول المتنبي :
          لا تكتمن داءك الطبيب                                  ولا الصديق سرك المحجوبا
ويقول أبو تمام :
          غير أن العليل ليس بمذمو                    م على شرح ما به للطبيب
ولعل البعض يفضل أن يبث شكواه إلى من أوقد النار في كبده . يقول الشاعر :
          يا موقد النار إلهابا على كبدي                         إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
فهو الذي كان سبب الداء ، وهو المرجى للشفاء .
غلط الطبيب :
يرى بعض الفقهاء ألا يحاسب الطبيب على الخطأ إلا أن يكون فاحشا ، لا يجوز أن يقع من الطبيب أبدا . والمهم أن يثبت الخطأ باليقين لا بالظن ، وينبغي استشارة ذوي الخبرة في ذلك للتحقق من غلط الطبيب .
قال ابن الرومي :
          غلط الطبيب علي غلطة مورد                          عجزت موارده عن الإصدار
          والناس يلحون الطبيب ، وإنما                        غلط الطبيب إصابة الأقدار
وقال أحد الشعراء في نفس المعنى :
          وإذا القضاء جرى بأمر نافذ                           غلط الطبيب وأخطأ التدبير
وقال صردر يوصي بألا يلام الطبيب إذا ما أدى واجبه ، فالموت داء لا دواء له :
          نلوم الطبيب وما جرمه                                 وداء المنية داء عقام
وحدوث الاختلاطات الجراحية أمر معروف في فن الجراحة . وهناك نسب محددة لكل اختلاط من الاختلاطات ، كالتهاب الجرح ، وعدم التحام الكسر ، وحدوث النزف بعد العملية وغير ذلك . ولكن البحتري يرى أن خياطة الجرح دون تنظيف أو تعقيم تفريط من الطبيب :
          إذا ما الجرح رم على فساد                             تبين فيه تفريط الطبيب
نصائح الطبيب :
ومن الناس من لا يستمع إلى نصائح الطبيب ، فينغمس في شهواته من طعام وشراب ، وإذا السقام يقف له بالمرصاد . يقول الشاعر خلف بن فرج الشهير بالسمير - وهو من شعراء الأندلس - :
          يا آكلا كل ما اشتهاه                                   وشاتم الطب والطبيب
          ثمار ما قد غرست تجني                               فانتظر السقم من قريب
وقال ابن الرومي :
          فإن الداء أكثر ما تراه                                  يكون من الطعام أو الشراب
وهذا عين الحقيقة ، فإن أكثر الأمراض انتشارا الآن سببها الطعام والشراب ، فكثرة الطعام والشراب سبب للبدانة ، والبدانة سبب لكثير من الأمراض كارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها . كما أن كثيرا من التهابات المعدة والأمعاء التي تحدث يوميا عند ملايين الناس في العالم سببه عادة تلوث في الطعام أو في الشراب .
ويسخر المتنبي من الطبيب الذي يرجع مرضه للشراب والطعام ، ولا يدري أن تحديد الإقامة الذي فرض عليه هو الذي أضر بجسمه وأوهنه :
          يقول لي الطبيب أكلت شيئا                            وداؤك في شرابك والطعام
          وما في طبه أني جـــواد                           أضر بجسمه طول الجـمام
والحقيقة أن ألذ الطعام من لحوم وحلويات ومقبلات غنية بالدهون والكولسترول ، فالإفراط فيها يزيد من كولسترول الدم ، وقد يؤدي إلى تصلب الشرايين وتضيق شرايين القلب التاجية . يقول الشريف الرضي :
          فوا عجبا للمرض والداء خلفه                         ومن حوله الأقدار والموت أمه
          يسر بماضي يومه وهو حتفه                          ويلتذ ما يغذى به وهو سمــه
ولكن البعض يرفض الامتثال لأوامر الطبيب ونصائحه بالامتناع عن بعض أنواع الطعام، يقول أبو طالب المأموني وقد أصابه الاستسقاء :
          فاحجبوا عني الطبيب وقولوا                          أنا بالطب والطبيب كفور
          هات أين الكباب ؟ أين القلايا                           أين رخص الشواء أين القدير
          أنا لا أترك التديخ ولا البـ                             ـطيخ والتين أو يكون النشور
وللأسف فقد مات هذا الشاعر قبل أن يبلغ الأربعين من العمر كما يذكر الزركلي في الأعلام .
مرض الأطباء :
والأطباء يمرضون كما يمرض الآخرون ، والحقيقة أن المرض كثيرا ما يكون أشد وطأة على الطبيب ، فهو أعلم بمصائب الأمراض وما تؤول إليه الأمور . وقد لا يحتمل البعض منهم الألم البسيط . فهذا الرئيس ابن سينا ، وقد أصيب بالزكام ، وهو في عرف الأطباء من الأمراض البسيطة ، ومع ذلك تراه يشكو الأمرين ، حتى كتب في ذلك شعرا قال فيه
          ونزلة كنت أحمي وجه موردها                         ففاجأتني على ضرب من الحمر
          سدت علي طريق الروح منتشقا                        وأسلمتني لأيدي الروع والحذر
          ففي شؤوني حريق من تلهبه                          وفي الخياشيم ضيق محصد المرر
وهنا يعجز " إمام الأطباء " في علاج هذا المرض البسيط ، فلا يفيد في ذلك دواء،فيقول:
          لا الفصد يغني ولاماء الشعير ولا                      طول احتماء إذا ما هم بالدرر
وأخيرا يسلم أمره لله ، ويحمده أنه لم يصب بما هو أشد منه :
          فالحمد لله حمدا لا كفاء له                    على السلامة وقاها من الغير

اليسار وصلب المسيح في الأدب العربي المعاصر

اليسار وصلب المسيح في الأدب العربي المعاصر

 
سامي جعفر**

 

 

من بين كل قصص الأنبياء لم أنس نهاية المسيح عيسى ابن مريم، وما زالت القصة ماثلة في وعيي بين كل الحكايات التي حكاها لي أبي؛ لأنها لم تنته بالموت مثل كل الأنبياء بل انتهت بأن رفعه الله إليه.
لم يكن أبي يعرف من تفاصيل القصة إلا مشهد القبض على المسيح عندما ألقى الله شبهه على تلميذه -يهوذا- الذي وشى به والذي نال جزاءه بالقتل، أما المسيح فقد رفعه الله إليه. وحسب العقيدة الإسلامية ستكتمل قصة المسيح بعودته إلى الأرض كعلامة على نهاية الحياة.
سنوات وأصابتني حرفة الأدب قراءة ودراسة فلاحظت -في الشعر تحديدا- أن معظم الشعراء والمثقفين ذوي الاتجاهات اليسارية يغلبون -بوعي أو بدون وعي- العقيدة التي تعتمد ما ورد ببعض الأناجيل من أن المسيح صلب؛ خلافا للعقيدة الإسلامية المشهورة.
اليسار والأدب وصلب المسيح
قرأت ما قاله الشاعر المصري الشهير صلاح عبد الصبور سنة 1954 في قصيدة "عيد الميلاد" في ديوانه "الناس في بلادي":

 


 

يا عيد يا نبعي الكئيب يا ذكر إنسان غريب
حمل الذنوب عن القطيع فمات من وقر الذنوب
يا لاهثا فوق الصليب يكاد يسألك الصليب
لما مت من دون الصليب
وهي رؤية تطابق العقيدة المسيحية التي يقع فيها الصلب والفداء موقع القلب.. أما زميله الشاعر نجيب سرور فهو يصور مشهد العشاء الأخير بين المسيح وتلاميذه بشكل تسجيلي في قصيدة "العشاء الأخير" من ديوانه "لزوم ما يلزم":

 


 

أغدا أكون مع الصليب أنا العريس
نفديك بالدم يا معلم… بالنفوس
لا تقسموا فلسوف يسلمني الذي من بينكم يشاركني الغموس
أأنا أخونك؟!
أنت قلت!!
وأنا؟!
ستنكرني ثلاثا قبلما الديك يصيح
إنا لنقسم يا مسيح…
لا تقسموا فغدا أكون على الصليب
ولم يتوقف الأمر على الشعراء المصريين فللشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب قصيدة أسماها "المسيح بعد الصلب" يقول فيها:

 


 

… بعدما أنزلوني، سمعت الريح في نواح طويل تسف النخيل، الخطى وهي تنأى، إذن فالجراح والصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل لم تمتني…
ألقيت الصخر على صدري أوما صلبوني أمس؟
إني في قبري.
وكذا الحال مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش فيشيع في شعره التأثر بالكتاب المقدس بشكل عام فله قصيدة "أغنية حب على الصليب" يقول فيها:

 


 

أحبك كوني صليب
وطعم الدم على جبهتي قمر لا يغيب
وله قصيدة أخرى اسمها "أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر" وفيها يقول:
يا أبي! هل تنبت الأزهار في ظل الصليب
هل يغني عندليب
فلماذا نسفوا بيتي الصغير؟
‏***‏
جعلوني أحمل الأثقال عن ظهر أبي
ويقول في قصيدته "المزمور الحادي والخمسون بعد المائة":
يسقط البعد في ليل بابل
وصليبي يقاتل
حتى الشاعر الثوري المصري أمل دنقل الذي عرف بالنزعة العروبية واهتمامه بالتراث العربي ورموزه وشخصياته وقع في الشرك نفسه فنراه يقول في قصيدة "كريسماس":
 

 


 

اثنان لم يحتفلا بعيد ميلاد المسيح
أنا… والمسيح
ونظرا لمكانة هؤلاء الشعراء وموقعهم في الثقافة العربية الحديثة فقد تأثر بهم في منطقهم هذا تيار عريض من الشعراء الأحدث منهم، وكانت المفارقة أنهم قلدوهم دونما أي إبداع حقيقي فجاء ذكر كثير منهم للصلب والغفران والغداء مجرد تشبيهات أقرب للتشبيهات المدرسية التي يرددها تلاميذ المدارس خاصة، وأنها كانت ترد من دون ضرورة فنية تجبر الشاعر على اللجوء إلى رمز من خارج ثقافته خصوصا إذا كان يضاد عقيدته ويصادمها. وبدا الحال كأن معظم الشعراء والروائيين العرب لم يجدوا في الرؤية الإسلامية لصلب المسيح وسيلة ما للإلهام الفني باستثناءات قليلة منها الروائي سعيد جودة السحار الذي وجد في شخصية يهوذا التلميذ الذي خان نبيه ومعلمه، ثم استسلم للعذاب والصلب تكفيرا عن خيانته ما يمكن أن يكون وسيلة للإلهام الفني في روايته "المسيح عيسى ابن مريم" التي ربما كانت الرواية الوحيدة تقريبا التي اعتمدت الرؤية الإسلامية.
أغنية وحيدة عن المسيح

 


 

وكانت هناك مفارقة أخرى هي أن الأمر لم يقف عند هؤلاء الشعراء بل امتد إلى الشعر العامي والشعبي الذي تتداوله العامة ويغنونه، فنسمع الشيخ إمام عيسى من كلمات الشاعر المصري الفاجومي أحمد فؤاد نجم أغنية "دعاء الكروان" التي يعقد فيها مقارنة بين الشعب والمسيح المصلوب:
مليون يهوذا وخان أمانك وانهلك
وفضلت باقي ع السواقي ومنجلك
يفرش حصير القمح فوق دم المسيح
وإن لم تلق الأغنية انتشارا واسعا بين الجماهير على شهرتها في أوساط اليسار المصري.
وكتب شاعر العامية ومؤلف الأغاني المعروف عبد الرحمن الأبنودي أغنية "المسيح" التي غناها عبد الحليم حافظ أول مرة في قاعة ألبرت هول بلندن بحضور ثمانية آلاف متفرج ونشرت الصحف وقتها أن البوليس الإنجليزي ضبط بينهم 4 يهود في حوزتهم مسدسات لاغتيال عبد الحليم!!
الأغنية قدمت كنوع من الدعاية السياسية عقب هزيمة 1967 فالمسيح هو الشعب الفلسطيني الذي ينزف دمه مثلما نزف المسيح دمه وهو يحمل صليبه يقول الأبنودي:
تاج الشوك فوق جبينه
وفوق كتفه الصليب
دلوقت ابنك يا قدس زي المسيح غريب
خانوه نفس اليهود
ابنك يا قدس زي المسيح لازم يعود على أرضها
انطلقت هذه الأغنية في مناخ قومي شديد الكره لليهود الذين يحملهم المسئولية عن دم المسيح، وهو مناخ غلب السياسي على العقائدي حين خالف ما تقوله العقيدة الإسلامية في صلب المسيح.. ورغم ذلك لم تذع الأغنية إلا مرات معدودة منذ أن غناها عبد الحليم منذ ثلاثة عقود وبحذر شديد وربما كانت المرة الوحيدة التي استخدمت فيها الرؤية المسيحية المخالفة للعقيدة الإسلامية في عمل فني على نطاق جماهيري واسع.
ويمكننا القول إن الشعر أو الكلمة المكتوبة كانت الأكثر تأثرا بالعقيدة المسيحية في مسألة الصلب ربما لأنها لغة خاصة إلى حد كبير ولا تصل إلى الناس إلا في أضيق الحدود بعكس السينما والمسرح وغيرها من الوسائل الجماهيرية، وإلى وقت قريب وقبل فيلم آلام المسيح لم يكن عرض الأفلام التي تناولت مسألة الصلب والأنبياء عموما يتجاوز العروض الكنسية وفي أوساط معتنقي المسيحية فقط لحساسية عرض هذه الأفلام بين جماهير مسلمة وأحيانا لسبب تجاري يرجع لأسلوبها الرتيب الذي لا يعطي الشخصيات بعدا إنسانيا.
البداية والأسباب

 


 

سألت عن بداية ظاهرة استخدام الصلب عند الشعراء كحقيقة، فأفادني الناقد والشاعر المصري شريف رزق أنها بدأت مع شعراء الرابطة القلمية، أوائل القرن الماضي -العشرين- وكلهم مسيحيون مثل ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران الذي تمجد أعماله كلها فكرة صلب المسيح، ثم استمر الأمر مع شعراء مجلة فكر في الستينيات من الحداثيين العرب وعلى رأسهم يوسف الخال وأدونيس وخليل حادي وتوفيق صايغ، وهؤلاء كتبوا عن مسيح عصري مصلوب أيضا.
أما الأسباب فيرجعونها إلى انبهار الشعراء بالكتاب المقدس وتأثرهم بالتجربة اللغوية له وتأثرهم بالتصوف المسيحي الذي اهتم بفكرة الصلب، هذا بالنسبة إلى المجموعة الأولى. أما الأجيال الجديدة من الشعراء فقد ظهرت إبداعاتهم في سياق الاهتمام بالقضايا الكبرى مثل القومية والاشتراكية وإحساس الشعراء بالوحشة والوحدة والقهر العنيف والذي يتماس مع تجربة المسيح في نضالها الفردي إضافة إلى الرغبة في جلد الذات عقب هزيمة 1967.
لم يعد اليسار وحده
كنت أعتقد أن اليسار كان السبب في شيوع استلهام عقيدة الصلب في العمل الفني، غير أن استقبال الإعلاميين والمثقفين العرب لفيلم آلام المسيح كشف عن أن الأمر لم يعد يقتصر على اليسار فقط بل صار هناك مناخ يسمح بذلك. فكثير من الكتاب -بمن فيهم بعض الإسلاميين- ناصر الفيلم؛ لأنه يهاجم اليهود الذين تسببوا في قتل المسيح، محاولين دق إسفين بين المسيحيين واليهود، ملمحين إلى وثيقة الفاتيكان ولتبرئه اليهود من دم المسيح!!
وعشرات المقالات التي تعلق على أحداث فيلم آلام المسيح في الصحف العربية لم تلتفت إلى اختلاف العقيدة الإسلامية عن المسيحية التي يعتمد عليها الفيلم لا لشيء إلا للثأر من اليهود، فكتب رفيق الصبان في جريدة القاهرة عدد 209 الصادر في 13 إبريل 2004 يذكر أسبابا ثلاثة أذهلته في الفيلم منها أن عذاب المسيح وقدرته على تحمل الألم مشابه لعذاب الشعب الفلسطيني. وكتب إيهاب البدوي في جريدة الميدان المصرية في 18 مارس 2004 الذي يرى في شارون قيافا (من حرض تلميذ المسيح على قتله) جديدا.

 


 

أما الناقد السينمائي سمير فريد فيسخر من هؤلاء جميعا في مقال بعنوان ساخر: "جيبسون الدين بطل العروبة ومحرر فلسطين!" بعد أن رأى الكثيرين يمجدون ميل جيبسون مخرج الفيلم باعتباره مدافعا عن القضية الفلسطينية، وبيّن مخالفة الفيلم للرؤية الإسلامية واتفاق وثيقة الفاتيكان التي تبرئ اليهود من دم المسيح مع الإسلام.
من معارك الماضي

 


 

في الستينيات وعقب نشر جريدة الأهرام مقالا لمستشارها الثقافي لويس عوض حول تأثر أبي العلاء المعري بالثقافة اليونانية التي تحمل مفاهيم الصلب والفداء بدأ العلامة المحقق الشيخ محمود شاكر معركة شرسة حول الدور الذي لعبه المستشرقون في الثقافة الإسلامية والذي أدخلوا خلاله عددا من المفاهيم المغلوطة حول رموز ثقافتنا، موضحا أخطاء لويس عوض الواضحة وعدم دقته العلمية، كتب ذلك في 26 مقالا نشرتها مجلة الرسالة وضمها كتابه الشهير "أباطيل وأسمار". والذي يعنينا بشكل محدد هو دفاع الناقد المعروف محمد مندور عن لويس عوض في مجلة روزاليوسف رافضا اتهام شاكر للشعر الحديث بالخروج على الإسلام لمجرد استخدام ألفاظ تتردد في الدين المسيحي مثل الخطيئة والصلب والفداء والخلاص، معتبرا أن هذا من قبيل التراث الروحي للمسلمين ولكل البشر.
ولم يخرج رد شاكر -الذي رفضت روزاليوسف نشره- عن أن استخدام هذه الألفاظ في الشعر يصبح بلا معنى للمسلم الذي لا يعتقد في المفاهيم التي تحملها هذه الألفاظ رافضا فكرة أن اليهودية والمسيحية من التراث الروحي للمسلمين، خصوصا أن للمسلم وجهة نظر في هذه الديانة خلافا لأصحابها.
أتذكر ذلك لأقول إنه ربما كان هذا السبب في أنني -وربما كثيرون مثلي- لم أستطع التفاعل أو التجاوب مع قصة وأحداث فيلم "آلام المسيح" مثلما لم أستسغ هذا شعرا يقوم على مفاهيم الصلب والفداء والخلاص حتى وإن تحققت فيها درجة فائقة من الإبداع الفني! 

**صحفي مصري

ثلاثة دروس من حياة آلبيركامو: كيف ارتطم كامو بالشيخ عبد الحميد بن باديس؟


ثلاثة دروس من حياة آلبيركامو: كيف ارتطم كامو بالشيخ عبد الحميد بن باديس؟بقلم - د. محمد وقيع الله
 

تمكن الانسان من قتل 70 مليون انسان خلال 50 عاما كيف يمكن منع كوارث ماحقه في المستقبل! رفض كامو كافة التعميمات التجريدية باعتبارها دافعا من دوافع التطرف والعنف . كان كامو متمردا وحسب, اما بن باديس فقد كان متجردا ومتمردا في آن! كثيرا ما يصنف البير كامو (1913 - 1960) في عداد الفلاسفة الوجوديين, الا انه يرفض ذلك, وهو في الواقع اقرب الى السندكاليين والليبراليين في عالم السياسة, وهو قطعا ضد الثوريين اصحاب الرؤى الفكرية الجذرية, كما انه ظل متجاوزا ومنتقدا لاقطاب التفكير السياسي ذي المنزع الرومانتيكي من اتباع جان جاك روسو. في الرابعة والاربعين من عمره نال كامو جائزة نوبل للآداب (1957) ورغم انه فيلسوف الا ان شهرته جاءت من كسبه الادبي في روايات وقصص ذائعة الصيت شأن (الغريب) , و (الطاعون) و (السقوط) . ولسنا هنا بصدد تحليل كامل التراث الفكري والادبي الذي خلفه كامو, وانما بصدد استخلاص دروس ثلاث, اولها من كتابه الاشهر (المتمرد) , والثاني من بعض مواقفه السياسية العملية من الثورة الجزائرية, والثالث بخصوص صلاته بالشيخ الامام عبد الحميد باديس.

في كتابه شديد التأثير (التمرد) يبدو كامو ساخطا على شؤون السياسة العالمية, لانها اضحت تفتقر الى قيم عليا, ترعى حرمه الارواح البشرية, التي ظلت موضع اهتمامات كامو الفلسفية العليا, وكتاب (المتمرد) الذي كتبت ابحاثه ما بين (1947 - 1951) كتاب يقع ما بين الاخلاق والسياسة, وقد املاه ضمير هزته الاحداث والفجائع التي شهدها العالم في خضم الحرب العالمية الثانية, التي حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر. وتولى ابحاث الكتاب التي سماها صاحبها بعنوان فرعي : (مقال في الانسان والتمرد) , اهتماما خاصا بتحليل قضايا التحول الاجتماعي, او ما يسمى بفلسفة الثورة والتمرد, والدراسة المقارنة للثورات , حيث يجهد كامو نفسه في استكشاف اسباب فشل ثورات قرن ونصف قرن من الزمان, وتشخيص اعراض الداء العضال الذي اتت به مختلف العقائد والايديولوجيات التي اججت تلك الثورات. قادت تلك الايديولوجيات مطالبات وثورات عديدة باسم الحرية الانسانية, ولكن جاءت تلك الثورات عنيفة مدوية مطلقة من كل عنان. ولم تثمر اكثر من الدمار الشامل والطغيان, بدأت تلك الثورات بشعارات تطالب بسحق الظلم الاجتماعي, وتحقيق الامن والعدل, ولكن جاءت نتائجها في موجات ارهاب فظيعة سحقت الوجود المادي والروحي للانسان, وهكذا ففي كل دور من ادوار التاريخ الانساني اخذ يهل علينا ... ثوري جديد, يحمل سيف الذبح البتار, ويستأصل به الوجود الذي اتى ليحميه. وهكذا نجح قادة البشر كما يقول كامو - في حصد الارواح واذلال معنى الوجود البشري, فكيف تمكن (الانسان) من قتل سبعين مليون (انسان) خلال خمسين عاما؟ وماهي الدوافع الحقيقية التي ادت الى ذلك؟ وكيف يمكن منع كوارث ماحقة مماثلة في المستقبل؟!

ان ارواح البشر ما هانت على قادة البشر الا بسبب (العقائد والمسلمات) المطلقة. وهي تلك العقائد التي دفعت بالسياسة دفعا في سبيل تطبيقها, بغض النظر عن الثمن الباهظ الذي يتطلبه ذلك التطبيق. فما هانت عذابات البشر, وحرمة دمائهم وارواحهم, على قيادات السياسة, الا بسبب سطوة تلك العقائد والمسلمات (العدمية) و (النسبية) التي اعتنقوها, واعتقدوا بمقتضاها ان القتل امر سهل يسير المأتي والنتيجة, فطالما اعتقد المرء بلا جدوى الحياة ذاتها, فان من الطبيعي ان يعتقد ان اي فعل يأتيه هو فعل مباح. وطالما ان كل فعل داخل في حيز الاباحة, فليرتكب الانسان اذن ما يشاء من جرائم القتل, في سبيل ان يحصل على اقصى ما يستطيع ان يحوزه من مقدرات القوة, التي توطد نفوذه في الحياة. وهكذا سوغت الافكار (العدمية) و (النسبية) استخدام كافة وسائل العنف و الاستئصال.

اطراح الايمان الديني

اطرح كتاب (المتمرد) منذ البدء مسألة الايمان اليقيني بعقائد دوغمائية تحرك العمل السياسي والوطني. ولذلك فلم يستند كامو الى اي خلفية دينية, كما لم يلق بالا, الى مقررات ونتائج علم الاجتماع الحديث. واتهم كثيرا من الافكار العامة المقررة سلفا مثل (الحتمية التاريخية) و (القومية) و (الاعيان المسيحي) و (الاشتراكية) , بانها لافتات استغلت كثيرا عبر التاريخ, لتبرير العنف والمذابح الجماعية , والحاق الدمار بالحضارة الانسانية. هذا الموقف السلبي من قضية الايمان الديني, لم يتضمن موقفا معاديا للدين باي وجه من الوجوه . وانما كان نابعا من رفضه للبحث في الافكار التجريدية والتعميمات الواسعة, التي اصبحت ادوات مهلكة يجدر الحذر من الافراط في استخدامها , وقد رفض كامو ان ينطلق من المسلمة التي راجت في عهده قائلة بان الحقائق المسيحية هي مجرد خرافات وتضليلات, ولكنه في ذات الوقت رفض ان يتقبل او يتبنى الايمان المسيحي, وكان رفضه للايمان الديني فرعا من رفضه المبدئي للتعميمات والتجريدات, التي يمكن ان تصبح قاتلة عندما يوضح الناس على فوهتها, كما قال. بناء على ذلك ركز كامو دراساته على قضايا الشك اكثر مما ركزها على قضايا اليقين, وذلك لان اليقين - في نظره - يقود الى التجريد والتنظير, والى الايمان الاعمى, بمبدأ غامض والاندفاع في خدمته, والتضحية باشياء عزيزة عديدة من اجله يقول كامو : (لقد رأينا الكذب واضطهاد الناس وقتلهم وتشريدهم وتعذيبهم يمارس من قبل الايديولوجيين, وكان من المستحيل دائما ان تقنع هؤلاء بان يشكوا ولو قليلا في مبادئهم, وان يقلعوا عن ارتكاب المذابح ... لقد كانوا في حالة يقين كامل بصحة مبادئهم وافكارهم ... وانه لمن المستحيل ابدا ان تقنع امثال هؤلاء المندفعين بخطأ ما في افكارهم التجريدية) . وهكذا فينبغي ان يكون الشك هو الاصل, وان يظل اليقين عارضا, لا يلبث ان يتخلله الشك, وذلك من اجل منع الانسان من الاندفاع الى قتل الآخرين.

من المسؤول؟

اراد كامو ان يحدد بشكل قاطع من هو المسؤول عن نتائج الاحداث السياسية, ولذلك وجه مركز ابحاثه نحو تحليل (الانسان) وتجاهل (المجتمع بالكلية) باعتبار انه تعميم تجريدي لا وجود له. ورأى ان البحث في مجالات العقائد والاجتماع لا يأتي بطائل, واحتلت التجارب المباشرة لـ (الانسان) والاعمال الناتجه عن تصرفاته جدول اولوياته الفكرية, واكد - استنتاجا - ان على الانسان الا ينساق وراء المجتمع, ولا وراء العقائد والافكار المقررة سلفا, والا يتخذها تكأة يبرر بها تصرفاته الهوجاء. وبنظر كامو فانه بدلا من ان تتخذ هذه (الافكار التجريدية) مقياسا لعمل الانسان , ينبغي ان ينصرف النظر الى اعتبار آخر هو: ما الذي جرى للارواح البشرية كنتاج لتصرف الانسان, وكل من فعل فعلا تتعدى آثاره الى غيره, يجب الا يحاسب الا بصورة فردية مباشرة, وبغض النظر عن الفكرة او العقيدة التي ساقته لذلك التصرف, او المجموعة التي اندفع معها لاثبات ذلك الفعل.

اختبار مصداقية كامو كانت تلك هي المبادىء الاساسية التي حاول كامو ان يرسيها ويقررها في الضمير الانساني ( الاوروبي) . وعندما حان الاوان لاختبار صدقية تلك المبادىء في التجربة الجزائرية , اختلت افكار كامو, او اختل التزامه بها بشكل خطير.

ولد كامو وعاش صدر شبابه بالجزائر, وعمل فيها بالتدريس والصحافة, ولذلك فانه كان يعد نفسه من ضمن طبقة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر. وبدلا من ان يعد نفسه, مع اسرته, وبقية مواطنيه الفرنسيين في الجزائر مجرد مغتصبين, ودعامات للاستعمار الاستيطاني , ظل يدافع عن تلك الطبقة دفاعا حارا, ويضع مصالحها فوق مصالح المواطنين الجزائريين, الذين كان يسميهم في كتاباته بالمواطنين غير الاوروبيين في الجزائر, وكأن الجزائر وطن اوروبي, في حواشيه مواطنين (مسلمين) غير اوروبيين, او مواطنين (اصليين) مثل الهنود الحمر في امريكا حين اكتشافها , او مثل قبائل المواطنين الاصليين في استراليا حينما استوطنها البيض! وقف كامو مع خط الحركة الوطنية الجزائرية, الذي كان اقطابه ينادون بالاندماج مع فرنسا, وهو الخط الذي كان يقوده فرحات عباس, الذي كتب مقالا مشهورا يقول فيه (أنا فرنسا) , ورد عليه الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) بمقال شاف قال فيه ان الجزائر لا تستطيع ان تكون فرنسا حتى ولو ارادت ذلك, واذاع قصيدته المشهورة التي اصبحت نشيدا للثورة الجزائرية, وفيها يؤكد هوية الجزائر الحقيقية قائلا:
 


شعب الجزائر مسلم
والى العروبة ينتسب
من قال حاد عن اصله
او قال مات فقد كذب
او رام (ادماجا) له
رام المحال من الطلب

واضاف يقول : اننا لسنا ضد المدنية, ولا الحضارة, ولا العصر الحديث, ولكننا نتمدن بشروطنا نحن, لا بشروط فرنسا, ولو طلبت مني فرنسا ان اقول ( لا اله الا الله لما قلتها) !! فهو يقولها طوع نفسه, ولا يردد اي شعار انسياقا مع فرنسا, حيث كان يرى في (الفرنسية) والاندماج خصما للاسلامية, ونقيضا لها, فالمرء لا يتفرنس الا اذا وقع اسلامه ثمنا لذلك. دعا بن باديس الى استقلال الجزائر بلا مراهنة على اي حل وسط - وبدا راديكاليا اكثر من عمار اوزيجان, كان عمار مؤمنا باستقلال الجزائر, وعندما اتيح له ان يرأس وفد الحزب الشيوعي الجزائري للمؤتمر السابع للكومنتيرن في موسكو في ,1934 وان يتحدث في ذلك المؤتمر باسم مستعار هو (آرثر بدوان) , طلب علنا الاستقلال , ولكنه لم يقف ضد الفرنسة, لان حزبه كان لا يزال فرعا للحزب الشيوعي الفرنسي. اما بن باديس فقد عقد العزم على مناهضة (الفرنسة) في ذروتها باحياء وتجديد فكر السلف . وانشأ لذلك مجلة متميزة هي مجلة (المنتقد) التي سرعان ما اغلقتها الادارة الفرنسية بدعوى مناصرتها للثورة في المغرب. وانشأ على اثر ذلك مجلة (الشهاب) التي استمرت في انهاض وتجديد الفكر الاسلامي بصورة خلابة, الى ان اغلقت هي الاخرى مع نشوب الحرب العالمية الثانية. وانخرط بن باديس في حلقات تعليمية راقية, فتح بها باب الاجتهاد الشرعي, ونبه عقول طلابه, وحثهم في ذات الوقت على اكتساب المعارف الحديثة, وسرعان ما اخذت مدرسته تخرج نوابغ نابهين يقارعون الفرنسة بتفوق, شأن الشيخ الطيب العقبي, ومحمد البشير الابراهيمي, ومبارك الميلى, واحمد توفيق المدني, وغيرهم من العلماء الذين اصبحوا في النهاية يشكلون الرموز الفكرية الحقيقية للثورة الجزائرية.

المتجرد ام المتمرد؟!

كان من غريب التصاريف ان بن باديس الذي اندفع في ذلك الخط الى نهايته, هو الشخص المرجو لدفع جهود الفرنسة والتغريب, فالتحليل الطبقي لجذور الشيخ يدل على انه كان سليل اسرة ارستقراطية فارهة, هادنت الاستعمار, وانتفعت منه, فأبوه كان عضو مجلس ادارة مدينة (قسنطينة) , وعمه كان مالك اراض شاسعة , ونائبا في البرلمان الجزائري , وعم آخر له كان محاميا مشهورا مرتبطا بالاقطاع والاستعمار. ولعل تلك الوضعية الطبقية المميزة هي سر تقرب كامو منه, فقد كان يطمع في استقطابه لخط الفرنسة والاندماج, وانعقدت صداقة وثيقة بين الطرفين, كشف كامو عن هدفه من ورائها, عندما ذكر ان نصف مهامه الحزبية كانت تتلخص في اجتذاب المسلمين الى خط الحزب الشيوعي الفرنسي الجزائري لدعم جهود الاندماج. لم يخلع بن باديس يده من تلك الصداقة , وتلك الدعوة وحسب, وانما انخلع ايضا من اصوله الطبقية, اذ كانت المصلحة الحقيقية التي وضعها نصب عينيه, هي مصلحة الأمة ككل, لامصلحة الطبقة, ولا مصلحة الاسرة, ولا مصلحة الذات, كما كان الأمر مع كامو, الذي تكيفت مواقفه حسب املاءات تلك المصالح على ضميره الخاص. فعندما خبا تيار الاندماج اعلن كامو سخطه على الوطنيين, وفي طليعتهم بن باديس, وكف عن تأييد كل قطاعات الحركة الوطنية الجزائرية وفي طوايا تصريح صحفي له بدا كامو على النقيض تماما من الموقف المتجرد لابن باديس.


فعندما سئل عن سر تخليه عن الثورة الجزائرية, بعد ان كان يؤيد بعض اطرافها قال: (انا مازلت اؤمن بالعدل, ولكن اخشى على سلامة والدتي التي لاتزال تعيش في الجزائر. ومصلحة امي تأتي دائما في المقدمة) . ان سلامة أمه لم تكن تستدعي بالتأكيد ان يكتب بعد فترة قائلا: ان فرنسا لابد ان تعيد بسط سيطرتها على الجزائر, بمعنى ان نخمد نيران الثورة الوطنية ... وحتى عندما جمع مقالاته في وقت لاحق في مجلدات اعماله الكاملة, فقد حذف منها كل المقالات التي سبق ان انتقد فيها بعض سلوكيات المستوطنين الفرنسيين, ضد المواطنين الجزائريين, وكان يحاول بذلك الا يضعف من موقف المستوطنين, ابان اشتعال لهيب الثورة. في تلك المقالات المحذوفة دعا كامو الى اطروحة متناقضة لا تستقيم, مفادها: ان يظل الاستعمار الفرنسي جاثما على ارض الجزائر, ولكن شريطة ان يعامل الناس بالعدل والقسط , اي ان يساوي بين الجزائرين والمستوطنين, ويمنع تعديات المستوطنين على الجزائريين, وهاتان لاتتفقان, لان مجرد وجود اولئك المستوطنين, هو رأس التعديات على حقوق الوطنيين كانت تلك الدعوة في الحقيقة مجرد غطاء لموقفه الرافض لمبدأ استقلال الجزائر من الاساس. هكذا برز كامو على خلاف ما بشر في كافة كتاباته برز على ايمان (تجريدي) (تعميمي) قاطع , لايعاوره شك, ولا يخالجه ارتياب, بان الحضارة الفرنسية هي المثل الاعلى للانسان , وان الاستعمار الفرنسي عمل اخلاقي, يؤدي الى نشر ذلك المثل الاعلى بين الناس , وكل من قاومه فلا بأس بقمعه بقوة السلاح, حتى يرضخ (للحق) وينصاع. لقد كان كامو باحساساته الاخلاقية العالية, وتورعه الانساني الخير, مما قد تبدى في قصصه وبحوثه, مرجوا لان يتخذ موقفا افضل من هذا ... كان عليه - في الحد الادنى - ان يلتزم مقولاته الفلسفية التي صدرنا بها هذا المقال, ولكنه آثر ان يبرهن ان الغايات تبرر احيانا بعض الوسائل. كان كامو عندما يشتاط غضبا على بعض السياسيين يقول: انهم كثيرا ما يقولون ان الغايات تبرر الوسائل ... ولكن ما الذي يبرر غاياتهم نفسها؟! والسؤال نفسه مرتد الى كامو ترى ما الذي يبرر غايات (فرنسية) الجزائر التي دافعت عنها حتى النهاية؟!!

الجمعة، 3 يوليو 2015

مظاهر الانحراف في شعر المقاومة الفلسطينية


مظاهر الانحراف في
شعر المقاومة الفلسطينية
أحمد بن راشد بن سعيّد
تحفل الصحف العربية بإنتاج مجـمـوعــة مــن الشعراء الفلسطينيين الذين يقدمون للقارئ العربي على أنهم رواد شعر المقاومة الفلسطينية كما تنتشر دواوينهم في المكتبات ، ويدعون لتقديم الأمسيات الشعرية ، وتسبغ عليهم ألـفــاظ (المـناضلين) و(الثوريين) وغيرها... ولعل أبرز هؤلاء محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو(1) .
 ومأخذنا على هؤلاء الشعراء إجمالاً هو انفصالهم عن هــوية الـمـقـاومة ، وتنكرهم لعقيدة الشعب الفلسطيني ، والتماسهم حل القضية في مناهج مستوردة غريبة ، وإنكارهم أن يكون الحل موجوداً في إسلام الأمة وتاريخها.. ونسوق ملاحظاتنا على شكل نقاط فيما يلي :
الجرأة على الذات الإلهية :
وهذه ظاهرة عامة تنتظم شعر المجموعة المذكورة ، وباعثها كما تدل القصائد التضجر من الواقع والضيق بما آلت إليه القضية . يقول محمود درويش في قصيدته (الموت في الغابة):
نامـي فعـين الله نـائـمـة                عنا وأسراب الشـحـاريـر
ويقول في مطولته (مديح الظل العالي ):
"يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّ.. لعلى لي رباً لأعبده لعلَّ" .
وفي قصيدته (التعاويذ المضادة للطائرات) يقول سميح القاسم :
"كنت طفلاً آنذاك.. علموني أن مجرى الأرض في كف السماء.. علموني أنه سبحانه يحيي ويـفـنـي مـــا يشاء.. دون أن أسأل من كانوا وماذا فعلوا للتعساء.. علموني الدجل والرقص وإذلال النساء.. علموني السحر والإيمان بالأشباح والرقية والتعزيم والخوف إذا جاء المساء .. فـرس الخـضر كفيل بي وحسبي الفقهاء.. يا أبي المهزوم.. يا أمي الذليلة.. إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القـبـيـلـة.. إنني أرفـضـهـا تلك الطقوس الهمجية.. إنني أجـتـثـهـا من جــذرها تلك المراسيم الغبية.. إنني أبصق أحقادي وعاري في وجوه الأولياء الصالحين.. إنني أركــل قـــاذورات ذلـي وانـكـسـاري للتكايا والدراويش وأقزام الكراسي النابحين.." .
ويستمر الشاعر في استهزائه وغيه فيقول:"صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات.. ألبوا الله عليها.. واقذفوها بالوصايا العشر.. والجفر.. وآيات السماء البينات.." .
وفـي قـصـيـدة (أبـــطـال الراية) يقول سميح:"والله نحن نشاؤه بغرورنا.. شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنـانـيـاتـنا".. إلى آخر ما يقول من عبارات تنضح بالجهل بحقيقة الإسلام وتنبئ عن مرض صاحبها وفساد قلبه..
ومن قصيدة لمعين بسيسو بعنوان (إلى سائحة) يقول فيها :
"وآخر ديك قد صاح ذبـحـنـــاه.. لم يبق سوى الله.. يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد.. ويتبعه الكذب على فرس شهباء.. سنطارده.. سنصيد له الله"!! ويقول في قصيدة (عيون مليكة المراكشية): "والله كـان يـلـعـب الشـطـرنج كل ليلة مع الملائكة.."، ويقول في قـصـيدة (جندياً كان الله وراء متاريس دمشق): "كان الله يحمل أكياس الرمل على ظهره.. يرفع بـيـديـــه الأحجار.. ويعجن بيديه الاسمنت.. ويقيم متاريس دمشق.. كان الله على شاطئ حيفا يصطاد السمك لأطفال فلسطين.. "، والمتتبع لقصائد هذه المجموعة يجد كماً من هذه الأشعار الكفرية التي ساهمت بلا ريب في تضييع القضية وتأخير مسيرة العودة إلى فلسطين (2) .
التنكر للتاريخ الإسلامي ورموزه :
وبدلاً من أن يحـاول هــؤلاء الـشـعـراء أن يـبـحـثوا عن حل لمأساة فلسطين في سفر التاريخ الإسلامي ، نراهم يزدرون هذا التاريخ ويقللون من أهمية رموزه وأبطاله.. وهذا هو محمود درويش يتمنى كتابة تاريخه وحاضره (بالفأس والمنجل) فيقول في قصيدة (مغني الدم ):
"ليتني أدفن كل الكلمات الميتة.. ليت لي قوة صمت المقبرة.. يا يداً تعزف يا للعار خمسين وتر.. ليتني أكتب بالمنجل تاريخي.. وبالفأس حياتي..".
ويقول سميح القاسم متسائلاً في قصيدته حتى الموت:"وماضيك؟ كتب جمة والتمر والشمس .. وغار الوحي والتكبير والدعوة.. وسيف الله والرومان والفرس.. وباسم الله والــثــورة..
وما الحاضر ؟ ميراث الدم المهدور في الماضي.. ووشم من قلاع المجد عميقاً تحت أنقاضي.. وطاقية إخفاء.. وجن في بساط الريح.. وآلاف العيون الزرق.. والعجمة في لفظي.. وكنز من شروح الفقه والأنساب والوعظ..".
والغمز والطعن والتهكم بالتاريخ الإسلامي والحاضر المتصل به الآخذ منه واضح في هذه العبارات ، ويزيد ذلك وضوحاً قول سميح في قصيدة (الميلاد): "أبي.. لا كتبنا الملقاة تحت نـعــال هــولاكــو.. ولا فردوسنا المردود فردوساً إلى أهله.. ولا خيل الصليبيين.. ولا ذكرى صلاح الدين.. ولا جندينا المجهول في حطين.. تشد خطاي للأنقاض في المنفى..) .
وننظر لنرى ماذا يشد خطى سميح للمنفى فإذا هو يقول :
"فمن حبي لأطفالي أشيد مصانعاً كبرى.. وأرتق معطفي البالي وأبني مسكناً حلوا.. وأخلق جنة خضرا) .
إن بطولات المسلمين وملاحم الجهاد الفذ التي سطروها والعقيدة الصلبة التي ربتهم وعلّت شأنهم.. كل ذلك لا يحفز للتحرير ، ولا يشد الخطى إلى المنفى.. فما هو البديل إذن ؟ وما الذي سيغذ الخطى ويحفز الهمم ويدفع مواكب التحرير إلى فلسطين ؟ إنه في رأي سميح العمل والفلاحة ، أي التوجه إلى المستقبل وإهمال الماضي بكل شموخه وجلاله ، وهي الصورة السمجة الشوهاء التي رسمتها الاشتراكية البائدة .
الافتتان برموز المذاهب الهدامة :
ولأن أصحاب الشعر المقاوم لا يفخرون برموز وأبطال الجهاد الإسلامي ولا يستلهمون من قصص كفاحهم شعاعاً يضيء طريقهم ، فهم يتغنون بأعمال جيفارا ولينين ، ويهتفون لآراء سارتر وغيره من دعاة المذاهب الوثنية..
وهذا سميح القاسم الذي يـقــول أن ذكـرى صــلاح الــديــن لا تثير اعتزازه ، وأن جهاده الصليبيين لا يحرك في نفسه شيئاً ، يقول في قصيدة يـخـاطــب فـيها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو : "قدماً.. قدماً في هذا الدرب.. يا حـاطـم أغــلال الشعب.. قدم يا أول شعلة.. في عتمة أمريكا المحتلة.. يا غوث الجزر المنهوبة.. وعزاء الأمة المنكوبة.."، ويوجه قصـيـدة إلـى جــان بـول سـارتر صاحب مذهب الوجودية فيقول : "أطلقها ناراً في وجه الأعداء.. أطلقها كلمتك الـحـمــراء.. ما دام على الدنيا باستيل.. ما دامت قضبان وسياط ودماء.. يا أنبل قنديل.. في عتمة باريس العمياء.." .
ويقف توفيق زياد أمام ضريح لينين خاشعاً ، فينعقد لسانه وتأخذه رهبة الموقف (!!) لكنه بعد ذلك يصور مشاعره وهو ماثل أمام قبر الطاغوت في هذه الكلمات :
"كأنني ولدت من جديد.. كل الشموس في يدي وأجمل الورود.. أمـامــه وقـفـت خـافـض الجبين.. ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين.. أحسست أنني أنا المعذب الـشـقــي.. المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين.. أملك كل شيء.. أقوى من الزمان والقضاء.. وأنني أقدر أن أقتحم السماء.. أردت أن أقول كلمتين.. واحترت ماذا يقدر الشقي أن يقول ؟! وجدت أن الصمت يا معلم الأجيال.. أصدق من كل الذي يمكن أن يقال" .
ونـقـرأ قـصـيدة لمعين بسيسو بعنوان (قصيدة فلسطينية إلى لينين ) يقول فيها : "كان لينين فكان الحزب.. يا فرس البحر على الصخرة.. تلد ملائكة الشعب.. موسكو في القلب.."؟!
وفي دواوين شعراء المقاومة هؤلاء نطالع كثيراً من هذه القصائد التي تتغنى بلينين وكاسترو وسارتر وغيرهم من الأصنام التي هوت أو تتهاوى إلى مزبلة التاريخ .
تبني الاتجاه الماركسي كطريق لإنهاء المأساة :
والقارئ لشعر المقاومة يلمس تأثراً واضحاً بالفكر الماركسي (ومن أسباب ذلك الاعتقاد بــأن الاتحاد السوفييتي البائد كان النصير لحركات التحرر العربية!!) ومن مظاهر هذا التأثــر التهجم على الدين والتاريخ وإطراء الاشتراكية، والتنديد بهمجية الغرب الرأسمالي وجوره على الطبقة العاملة.. وهذا سميح القاسم يشرح في قصيدته (عــزيــزي إيـفـان ) كيف قاسى العذاب وأصابه اليتم والفقر والتشريد، فلم يلق مساعدة من أحد، ولم يجد في (دور الوعظ والإرشاد) من يحنو عليه ، وإذا به يصحو يوماً على صوت (معلم جوال) أتــى مــن قــمـة الشرق وانتشله من مجتمع الذئاب إلى حياة ملؤها الهناء ورغد العيش.. هذا المعلم بالطــبـع هو رسول الاشتراكية.. يقول:
"دعــوت الأولـيـاء الصالحين فردت الوديان.. إلهك كان يا هذا.. إلهك كان !! وقهقهت السفوح السود والـقـمـــم النحاسية.. إلهك كان.. يا طرح الأناشيد الحماسية.. وعاد إليّ في الصوت.. جبيني الأول الـعـالي.. وقلبي عاد مركبة فضائية.. تخط طريق أجيالي.. وعادت ملء أجفاني المسافات الربـيـعـيـة.. وغابات المداخن والصنوبر والقراصية.. أجل عادت مع الصوت.. رؤى نسلي الذي أقسمت أن يأتي.. ووجه الأرض مخلوق من البدء.. بصورة سفر تكوين.. يسمى الاشتراكية.."!!
وفي قصيدة (برلين تستعيد شعرها) يقول سميح :
"ربى الشيوعيون شعرك.. طـيـبـــوه ودللـوه.. ربوه بالفرح المقدس والمرارة والصمود.. لا كي يـجــز غــدائـــره.. مـتـحـضرون برابرة.. برلين.. لا لن ينسجوا من شعرك المبعوث أغطيه الجنود.. عين الشيوعيين ساهرة.." .
ويقول توفيق زياد في قصيدة (شيوعيون) :
قالــوا: شيـوعـيون. قلت : أجلهم   حمـراً بـعزمهم الشعوب تحرر
قـالـــوا شـيـوعـيــون : قلت منية    مـوقـوتــة لـلــظــالمـيـــن تقدر
قــالـوا : شيوعيون . قلت : أزاهـر بأريجهــــا هذي الدنا تتعطر..
يــا سـائـلــي لا تـسـتـب أمـــورنا     حـتــى يـظـللــنا اللواء الأحمر
وفي قصيدة بعنوان (المطر الأول) يقول محمود درويش :
"في رذاذ المطر الناعم كانت شفتاها.. وردة تنمو على جلدي.. وكانت مقلتاها.. أفقاً يمتد من أمسي إلى مستقبلي.. كانت الحلوة لي.. كانت الحلوة تعويضاً عن القبر الذي ضم الها.. وأنا جئت إليها من وميض المنجل.. والأهازيج التي تطلع من لحم أبي ناراً وآها" .
وقد مر بنا كيف أن درويـــش تمنى كتابة تاريخه وحاضره بالفأس والمنجل معلناً انهزامه وانــســلاخـــه مـن عقيدة أمته وماضيها . ويؤكد في قصيدة أخرى افتتانه بهذا المنجل لا السيف الذي اشتهر به الـعـرب والمسلمون فيقول : "نعم عرب ولا نخجل.. ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل"!
ونطالع في شعر المقاومة كثيراً من الاستعارات والألفاظ التي تنبعث منها رائحة اليسار مثل (الرفاق) ، (العمال) ، (الثوار)، (الجياع)، (الكادحون) ، (الرجعية) ، (الأممية) وغيرها. ولأن الاشتراكية ذات طرح عالمي ، فإن شعراء المقاومة ربطوا كثيراً بين نضال الــشــعــب الفلسطيني و (نضال) شعوب المعسكر الاشتراكي (السابق) ، وقرروا أن هدفهم واحد وهــو القضاء على (الامبريالية) والاستغلال والتمييز العنصري.. وتتجلى هذه الفكرة عند سمــيح القاسم في قصيدته (لو) إذ يقول : "لو يصدق الكلام.. وتحمل الريح ولو سلام.. من ثائر في الشرق.. لثائرين يشتلون النور في الظلام.. لثائرين إخوة لا فرق.. في النيل.. في الكونغو.. وفي الفيتنام" .
ونلمس فكرة (العالمية) هذه في قصائد سميح القاسم الذي يخاطب فيها الشيوعي الإسرائيلي مائير فلنر والزعيم الكوبي فيدل كاسترو وثوار الفيتكونغ الفيتناميين.. كما نقرأ قـصـيـــدة لـتـوفـيـق زيـــاد يحيي فيها عمال (مصافي النفط وحقول السكر في كوبا ، وقصيدة أخرى يخاطب فيها ثـــوار أفريقيا بقوله : "يا أخوتي المتزنرين على البنادق والحراب.. في قلب أفريقية السوداء.. في خضر الشعاب.. إنا نراها ثورة التحرير تقرع كل باب.."(3) .
الغلو في تقديس الأرض :
وبسبب بعد هؤلاء الشعراء عن العقيدة الإسلامية ، وفقدانهم للتصور الإسلامي ، فهم (يتطرفون) في تقديس الأرض ، ويجعلونها غاية الكفاح ومنتهى القصد .
يقول توفيق زياد معبراً عن هذه النظرة المادية الضيقة : "آه يا رائحة الأهل ، ويا بيتاً من الطين ، ويا حفنة عـشــــب وتراب.. كم علينا اليوم من أجلكمو ، أن نجرع الموت وألوان العذاب" .
ويـقـول مـحـمــود درويـــــش:"هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء.. فاعبديها نحن في أحشائها ملح وماء" . ويقول في قصيدة (أهديها غزالاً) :
"وفي ليل رمادي رأينا الكوكب الفضي.. ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت.. وقالت وهي حين تقول تدفعني إلى الصمت : تعال غداً لنزرعه مكان الشوك في الأرض.. أبي من أجلها صلى وصام.. وجاب أرض الـهــنـد والإغريق.. إلهاً راكعاً لغبار رجليها.. وجاع لأجلها في البيد.. أجيالاً يشد النوق.. وأقسم تحـت عـيـنـيـهــا يمين قناعة الخالق بالمخلوق.. فدائي الربيع أنا.. وعبد نعاس عينيها.. وصوفي الحصى والــرمــــــل والحجر.. سأعبدهم لتلعب كالملاك.. وظل رجليها على الدنيا.. صلاة الأرض للمطر.." .
وهذه النظرة الأرضية الجاهلية تنتظم شعر المقاومة الذي نحن بـصـدده.. ولا نكاد نلحظ في هذا الشعر ذكراً للمسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإســـلامـية في فلسطين ، وهي التي تصل فلسطين بالسماء ، وتجعل قضيتها أكبر من مجرد (حصى ورمل وحجر وغبار) .
وختاماً لا بد أن نشير إلى أن الحديث عن دلائل الانحراف هذه يـقـصـد به إيضاح المسافة التي تفصل الأمة عن هؤلاء الشعراء ، وأنهم خلافاً لما تصوره الصحافة الـعـربـية لا يمثلون همَّ وضمير الشعب الفلسطيني . كما لا يعني هذا الحديث عدم وجود شعر فلسطيني مقاوم يستلهم معاني الإسلام وتعاليمه ، وللدكتور مأمون فريز جرار كـتـاب بعنوان (الاتــجــــاه الإســلامــــي في الشعر الفلسطيني) يرصد إنتاج الشعراء الفلسطينيين الذين ربطوا فلسطين بإسلامه وتاريخها ، وتغنوا بفتوحات المسلمين وبطولاتهم ، وأكدوا أن الجهاد في سبيل الله هو طريق التحرير والكرامة.. ومن المناسب هنا إيراد هذه الأبيات للأستاذ يوسف العظم ، والتي تحكي حال ومقال المسلم الفلسطيني الملتزم بدينه ، المؤمن بموعود ربه ، المباهي بأصالته وتاريخه :
أهيـم براية اليرمــوك أهـوى أخت حطين
تفجـر طاقاتي لهباً غضوباً من بـراكــيــن
لأنـزع حقي المغضوب من أشــداق تـنـيــن
وأرفع راية الأقصى ورب البــيت يحميني
سلاحـي النور في قلبي ورشاشــي وسكيني
ولـكـن دون أوهـام لجـيـفـــارا ولـيـنــيـن
ففكر الشرق يتعسني، وفكر الغرب يشقيني
أرتـل آيـة الـكـرسـي أتـلـو ربـع يـاسـيـن
وفي صـدري كـــلام الله يسعدني ويشفيـني
كفرت بدعوة الإلحـاد من صـنـع الشياطين
وأوثان صنعناها من الأوحال والـطــيـــــن
وآمنا برب الـبيــت والـزيـتـون والـتــيــن
ليشمخ شعبنا حراً عـزيــزاً في فلـسـطـيــن
الهوامش :
1- بسيسو (شاعر نصراني) توفي قبل بضع سنوات ورثته الصحافة العربية . مجلة عربية (اليمامة) دبجت سبع صفحات في تأبينه .
2- الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تقول في قصيدة لها بعنوان ، (مرثاة إلى نمر) :
"وأنت يا من قيل عنه إنه هناك.. حانٍ لطيف بالعباد.. أين أنت لا أراك.. دعني أراك.. كي أقول إنه هناك) .
ويقول راشد حسين في مطلع قصيدة له عن مصادرة اليهود لبعض أملاك العرب :
الله أصبح غائباً يا سيدي           صادر إذن حتى بساط المسجد
3- تجدر الإشارة إلى أن سميح القاسم وتوفيق زياد درزيان ، وعضوان في الحزب الشيوعي الإسرائـيلي (راكاح) ، وهو حزب يعترف بشرعية إسرائيل ، غير أنه - عملاً بأطروحات الشيوعية - قام على أساس معارضة الصهيونية (كحركة رجـعـيـة تحـكـمها البورجوازية الـيـهـوديــة)، فلو افترضنا أن الشيوعية بقيت ذات شأن ، وأن الحزب ما زال مــؤمــنـاً بطروحاتها وأنه وصل إلى الحكم ، فإن نضال سميح وتوفيق يتوقف عند هذا الحد.. فليس عند الشاعرين (الثوريين) ما يمنعهما من رفع السلاح في وجوه شعبهما ما دام ذلك يخدم مصالح الفلاحين والعمال.. اليهود!000
مصادر النصوص (عدا أبيات يوسف العظم):
- ديوان سميح القاسم (بيروت دار العودة ، 1973)
- ديوان محمود درويش (بيروت دار العودة ؛، 1977)
- محمود دوريش ، مديح الظل العالي (بيروت دار العودة ، 1984)
- معين بسيسو ، الأعمال الشعرية الكاملة (بيروت دار العودة ، 1979)
- ديوان توفيق زياد (بيروت دار العودة ، 1971)
- ديوان فدوى طوقان (بيروت دار العودة ، 1984)
مجلة البيان عدد  52