عقدة دريفوس... ويهود فرنســـا
محمد السماك
في عام 1895 كان ثيودور هرتزل مراسلاً
في بارس لصحيفة نمساوية تصدر في فيينا. في ذلك الوقت اكتشفت السلطات الفرنسية خيانة
ضابط عسكري في الجيش الفرنسي كان يعمل لمصلحة الألمان. كان اسم الضابط ألفرد دريفوس.
وكان يهودياً. في ذلك الوقت كان العداء الفرنسي - الألماني على أشده. وإذا كانت
الخيانة الوطنية تعتبر بصورة عامة جريمة منكرة فإن خيانة الوطن الفرنسي لمصلحة
الألمان كانت أكثر من جريمة. كانت كارثة وطنية. ولذلك فإنه ما أن كشف النقاب عن
الخيانة وما أن عرف الفرنسيون أن الخائن هو ضابط يهودي، حتى خرجوا إلى الشوارع وهم
يهتفون: الموت لليهود.
عاد هرتزل إلى فيينا ليكتب عن هذا الأمر. كان رئيس بلدية العاصمة النمساوية في ذلك الوقت يدعى كارل لوغر. وكان لاسامياً شديد الكراهية لليهود. وسط هذه الأجواء خرج هرتزل بنظريته التي تقول "إن على اليهود أن يمتنعوا عن التظاهر بالذوبان في المجتمعات الأخرى" وإن "عليهم أن يعترفوا بهويتهم الخاصة"، و"أن يقيموا وطنهم القومي". شكلت هذه النظرية النواة الأولى للصهيونية اليهودية التي قضى هرتزل بقية عمره القصير (مات عن 44 عاماً) من أجل الترويج لها. فكان مؤتمر بال بسويسرا 1897 الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي أدت إلى إعلان وعد بلفور في عام 1917 ثم إلى قيام إسرائيل في عام 1948.
منذ ذلك الوقت اعتمدت إسرائيل والحركة الصهيونية "المنطق الدريفوسي" كأساس لتحريض اليهود على التضامن في مواجهة الآخر. بمعنى استعداء المجتمعات في الدول المختلفة على اليهود من أجل حمل اليهود على الهجرة إلى وطنهم القومي الجديد. فعلوا ذلك في الاتحاد السوفييتي السابق. ففي إسرائيل اليوم أكثر من مليون يهودي من أصول روسية وأوروبية شرقية. وفعلوه أيضاً في الدول العربية (عملية علي بابا في العراق عام 1950). وهم يفعلونه اليوم في فرنسا.
لنعد الآن إلى قصة دريفوس، باعتبارها نقطة البداية. في عام 1894 تمكّنت خلية من المخابرات الفرنسية من اكتشاف نشاط دريفوس التجسسي عندما حصلت على وثائق من السفارة الألمانية في باريس تتضمن تقارير مكتوبة بخط يده. وكان الكشف عن هذه الفضيحة بمثابة عود الثقاب الذي أشعل نار الكراهية الفرنسية ضد اليهود الفرنسيين. حكمت المحكمة العسكرية الفرنسية بتجريد دريفوس من رتبته العسكرية وبنفيه إلى "جزيرة الشيطان" قرب غوييانا الفرنسية. ثم شدد الحكم عليه بالسجن عشر سنوات إضافية لثبوت ضلوعه بالتجسس لمصلحة العدو.
ومع ذلك تمكن يهود فرنسا من إثارة حملة تشكيك بالتهم المسوقة ضده وشارك فيها الكاتب الفرنسي أميل زولا، الذي اتهم قيادة الجيش الفرنسي (في مقال شهير له نشره تحت عنوان "إنني اتهم") بتلفيق القضية من الأساس للإساءة إلى يهود فرنسا. وتحت ضغط تلك الحملة أعيدت محاكمة دريفوس أمام محكمة مدنية هذه المرة، فبرئ، وأُعيد إليه اعتباره، ورفعت رتبته العسكرية، وأُعيد بالتالي الاعتبار إلى اليهود. غير أن المحكمة العسكرية رفضت تبني هذا الحكم، وأصرّت على حكمها الذي سبق لها أن أصدرته. ورغم أن دريفوس مات في عام 1935، فإن القضية لم تنتهِ. فمنذ ثلاث سنوات أصدر رئيس قسم التاريخ في الجيش الفرنسي تقريراً من ثلاث صفحات يشكك فيه بحكم البراءة الذي صدر في عام 1906 عن المحكمة المدنية الفرنسية. ويؤكد التقرير صحة حكم الإدانة الذي صدر في عام 1889 عن المحكمة العسكرية. كان نشر هذا التقرير الجديد كافياً لتحريك اللوبي الصهيوني الفرنسي الذي أثار حملة على قيادة الجيش وعلى وزارة الدفاع موزعاً الاتهامات باللاسامية، مما حمل وزير الدفاع في ذلك الوقت فرانسوا ليوتار على عزل رئيس قسم التاريخ في الجيش من منصبه!.
من أجل ذلك حذر عدد من كبار القادة العسكريين ومسؤولي وزارة الدفاع الفرنسية من أن رد فعل الحركة الصهيونية يشكل خطراً على وحدة الجيش، بينما اعتبرت الحركة الصهيونية أن هذا التحذير يشكل في حد ذاته دعوة خبيثة لإعادة تحريك مشاعر العداء ضد اليهود في فرنسا تحت مظلة الدفاع عن وحدة الجيش.
منذ ذلك التاريخ جرت مياه كثيرة من تحت جسر هذه القضية حتى بدت وكأنها أصبحت نسياً منسياً.
ولكن حاجة إسرائيل إلى المزيد من المهاجرين اليهود حملتها على افتعال أزمة لنكء جراح اللاسامية التي تحرص حكومة الرئيس جاك شيراك على معالجتها بالانفتاح والتسامح وبالتمسك بقيم العلمانية اللادينية. ولكن لماذا حاجة إسرائيل إلى المهاجرين الجدد؟.
استناداً إلى الأرقام الإسرائيلية الرسمية فإن عدد سكان إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة معاً يبلغ 10 ملايين و300 ألف. منهم 5.4 مليون يهودي و4.9 مليون عربي. غير أنه في ضوء التباين في نسبة الولادة عند اليهود والعرب، فإن عدد العرب سوف يزيد على عدد اليهود بعد حوالي عشر سنوات. كانت إسرائيل تعتمد - وما زالت - على المهاجرين الذين تحرضهم على الهجرة إليها من أستراليا وكندا وأوروبا وحتى من الولايات المتحدة. ففي عام 1990 وحده هاجر إلى إسرائيل 200 ألف يهودي من مختلف هذه الدول. غير أن نسبة المهاجرين تراجعت بشكل حاد نتيجة الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية والمستمرة حتى اليوم، لما تسببه من تدهور أمني واجتماعي واقتصادي في إسرائيل. وقد بلغ عدد المهاجرين إلى إسرائيل في عام 2003 ما مجموعه 25 ألفاً فقط. أي أقل بحوالي 9 مرات عن عام 1990.
لم تعد هناك إمكانية للتهجير من روسيا أو من أثيوبيا. ولذلك كان التوجه نحو يهود فرنسا. ولكن تهجير اليهود يحتاج إلى مبرر، وأفضل مبرر هو إثارة نعرة اللاسامية. وهذا ما فعله الجنرال شارون معتقداً على ما يبدو أنه يسير على خطى هرتزل بتوظيف "المنطق الدريفوسي".
يدّعي اليهود أن عشرة من اثني عشر سبطاً (جماعة) منهم قد ضاعوا في الشتات إثر الاجتياح الذي شنه عليهم الآشوريون بقيادة ملكهم نبوخذنصر في عام 721 قبل الميلاد. وهو الاجتياح الذي أدى إلى تدمير الهيكل الأول وسبي اليهود إلى بابل، إلى أن حرّرهم قورش ملك الفرس وأعادهم إلى إسرائيل، ليفتك بهم الرومان وليدمروا هيكلهم الثاني. ويدّعي اليهود أيضاً أن البحث عن هذه الأسباط الضائعة أدى إلى اكتشاف يهود الفلاشا في أثيوبيا الذين نقلوا إلى إسرائيل بمساعدة سودانية في عهد الرئيس السابق جعفر نميري. وهم يعملون اليوم في المصانع وفي المزارع خاصة في منطقة الجليل المتاخمة للبنان. ويدعي اليهود كذلك أن البحث أدى إلى التعرّف على سبط ثانٍ منهم وصل إلى منغوليا في شمال الصين. أما الاكتشاف الجديد فهو العثور على جماعة في شرق الهند تقول إسرائيل إنها من سبط أشود التي تاهت منذ القرن الثامن قبل الميلاد(؟) وتستعد إسرائيل الآن لنقل أفرادها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن أجل تسهيل الهجرة أقرّ الكنيست قانوناً ينص على اعتبار كل يهودي مواطناً إسرائيلياً بمجرد وصوله إلى إسرائيل أو إلى أي سفارة إسرائيلية في العالم.
وينص القانون أيضاً على منح كل شخص يدّعي أنه يهودي حق الإقامة والعمل في إسرائيل إلى أن يثبت ادعاؤه. وبموجب هذه المادة في القانون هاجر إلى إسرائيل عشرات الآلاف من الروس ومن الأوروبيين الشرقيين غير اليهود، مدّعين أنهم يهود، أملاً في الحصول على المساعدات الاجتماعية والصحية التي تقدم إليهم في إسرائيل حيث تتوفر أيضاً فرص العمل أكثر من توفرها في روسيا.
وكان التقليد الديني اليهودي - الأرثوذكسي - يقول إن اليهودي هو من كانت أمه يهودية. وبالتالي فإن باب الدعوة إلى اليهودية مقفل في وجه كل الناس. أما الآن، وبسبب الحاجة إلى مستوطنين، فقد استحدث تقليد جديد - إصلاحي - يقول بتهويد من يدّعي أنه من أصل يهودي. فالمهم هو أن يؤدي التهويد إلى الولاء لإسرائيل والعداء للعرب.
وسواء كانت الادعاءات بشأن الأسباط الضائعة والتي يتم اكتشافها تباعاً، صحيحة أو غير صحيحة، فإن الوجه الآخر لهذه القضية يتمثل بالشعب الفلسطيني غير الضائع والذي لا يحتاج إلى من يكتشفه.
فالهجرة إلى إسرائيل تتطلب: احتلال المزيد من الأراضي، ومصادرة المزيد من المياه وبناء المزيد من المستعمرات، وإبعاد المزيد من الفلسطينيين. ويطرح هذا المنطق قضية على درجة كبيرة من الأهمية. وهي قضية ازدواجية الولاء اليهودي في كل دولة تضم جالية يهودية، سواء في أوروبا أو في أميركا اللاتينية. وفي الولايات المتحدة وقعت فضيحة جوناثان بولارد في عام 1987 وهو يهودي أميركي خان الولايات المتحدة وسرّب معلومات سرية إلى إسرائيل تشكل خطراً على الأمن الأميركي.
وقد حكم عليه بالسجن ولا يزال سجيناً حتى اليوم رغم كل محاولات إسرائيل واللوبي الصهيوني لإطلاق سراحه. ذلك أن قضية جوناثان بولارد لم تكن الأولى التي تهز المجتمع الأميركي. فقد سبقتها قضية شبيرو وهو عالم يهودي كان يعمل في إحدى المحطات النووية الأميركية (محطة أبولو في بنسلفانيا)، وتمكن من خلال ذلك من تهريب كميات كبيرة من اليورانيوم المخصّب إلى إسرائيل، الأمر الذي ساعدها على تشغيل مفاعل "ديمونا" في النقب لإنتاج ترسانة نووية يعتقد الآن أنها تضم أكثر من ألفي عبوة نووية. ورغم خطورة تلك العملية فقد تمكن اللوبي الصهيوني من طمس معالمها واحتواء ردات فعل العلماء والسياسيين والعسكريين الأميركيين.
في الأساس يعزى قيام الحركة الصهيونية في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1830-1850) إلى هزيمة الحركات الديمقراطية الغربية لمصلحة الحركات القومية. كانت تلازم الحركات الديمقراطية المهزومة حركات يهودية مثل حركة مندلسون وحركة الهسكالا التي دعت اليهود إلى الانصهار في المجتمعات التي يعيشون فيها في إطار تميزهم الديني. وبانتصار الحركات القومية تحولت الحركة اليهودية إلى الصهيونية القومية العنصرية انطلاقاً من مبادرة هرتزل. غير أن الوضع الآن تغير في أوروبا خاصة وفي الغرب عامة. وتقدمت الديمقراطية على القومية. إلا أن الحركة الصهيونية ظلت محافظة على مواقعها. هذا الواقع يطرح ازدواجية الولاء اليهودي على النحو الذي كشفته أحداث عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا مشابهة لقضية دريفوس في فرنسا أو لقضيتي بولارد وشبيرو في الولايات المتحدة. والحبل على الجرار...
عاد هرتزل إلى فيينا ليكتب عن هذا الأمر. كان رئيس بلدية العاصمة النمساوية في ذلك الوقت يدعى كارل لوغر. وكان لاسامياً شديد الكراهية لليهود. وسط هذه الأجواء خرج هرتزل بنظريته التي تقول "إن على اليهود أن يمتنعوا عن التظاهر بالذوبان في المجتمعات الأخرى" وإن "عليهم أن يعترفوا بهويتهم الخاصة"، و"أن يقيموا وطنهم القومي". شكلت هذه النظرية النواة الأولى للصهيونية اليهودية التي قضى هرتزل بقية عمره القصير (مات عن 44 عاماً) من أجل الترويج لها. فكان مؤتمر بال بسويسرا 1897 الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي أدت إلى إعلان وعد بلفور في عام 1917 ثم إلى قيام إسرائيل في عام 1948.
منذ ذلك الوقت اعتمدت إسرائيل والحركة الصهيونية "المنطق الدريفوسي" كأساس لتحريض اليهود على التضامن في مواجهة الآخر. بمعنى استعداء المجتمعات في الدول المختلفة على اليهود من أجل حمل اليهود على الهجرة إلى وطنهم القومي الجديد. فعلوا ذلك في الاتحاد السوفييتي السابق. ففي إسرائيل اليوم أكثر من مليون يهودي من أصول روسية وأوروبية شرقية. وفعلوه أيضاً في الدول العربية (عملية علي بابا في العراق عام 1950). وهم يفعلونه اليوم في فرنسا.
لنعد الآن إلى قصة دريفوس، باعتبارها نقطة البداية. في عام 1894 تمكّنت خلية من المخابرات الفرنسية من اكتشاف نشاط دريفوس التجسسي عندما حصلت على وثائق من السفارة الألمانية في باريس تتضمن تقارير مكتوبة بخط يده. وكان الكشف عن هذه الفضيحة بمثابة عود الثقاب الذي أشعل نار الكراهية الفرنسية ضد اليهود الفرنسيين. حكمت المحكمة العسكرية الفرنسية بتجريد دريفوس من رتبته العسكرية وبنفيه إلى "جزيرة الشيطان" قرب غوييانا الفرنسية. ثم شدد الحكم عليه بالسجن عشر سنوات إضافية لثبوت ضلوعه بالتجسس لمصلحة العدو.
ومع ذلك تمكن يهود فرنسا من إثارة حملة تشكيك بالتهم المسوقة ضده وشارك فيها الكاتب الفرنسي أميل زولا، الذي اتهم قيادة الجيش الفرنسي (في مقال شهير له نشره تحت عنوان "إنني اتهم") بتلفيق القضية من الأساس للإساءة إلى يهود فرنسا. وتحت ضغط تلك الحملة أعيدت محاكمة دريفوس أمام محكمة مدنية هذه المرة، فبرئ، وأُعيد إليه اعتباره، ورفعت رتبته العسكرية، وأُعيد بالتالي الاعتبار إلى اليهود. غير أن المحكمة العسكرية رفضت تبني هذا الحكم، وأصرّت على حكمها الذي سبق لها أن أصدرته. ورغم أن دريفوس مات في عام 1935، فإن القضية لم تنتهِ. فمنذ ثلاث سنوات أصدر رئيس قسم التاريخ في الجيش الفرنسي تقريراً من ثلاث صفحات يشكك فيه بحكم البراءة الذي صدر في عام 1906 عن المحكمة المدنية الفرنسية. ويؤكد التقرير صحة حكم الإدانة الذي صدر في عام 1889 عن المحكمة العسكرية. كان نشر هذا التقرير الجديد كافياً لتحريك اللوبي الصهيوني الفرنسي الذي أثار حملة على قيادة الجيش وعلى وزارة الدفاع موزعاً الاتهامات باللاسامية، مما حمل وزير الدفاع في ذلك الوقت فرانسوا ليوتار على عزل رئيس قسم التاريخ في الجيش من منصبه!.
من أجل ذلك حذر عدد من كبار القادة العسكريين ومسؤولي وزارة الدفاع الفرنسية من أن رد فعل الحركة الصهيونية يشكل خطراً على وحدة الجيش، بينما اعتبرت الحركة الصهيونية أن هذا التحذير يشكل في حد ذاته دعوة خبيثة لإعادة تحريك مشاعر العداء ضد اليهود في فرنسا تحت مظلة الدفاع عن وحدة الجيش.
منذ ذلك التاريخ جرت مياه كثيرة من تحت جسر هذه القضية حتى بدت وكأنها أصبحت نسياً منسياً.
ولكن حاجة إسرائيل إلى المزيد من المهاجرين اليهود حملتها على افتعال أزمة لنكء جراح اللاسامية التي تحرص حكومة الرئيس جاك شيراك على معالجتها بالانفتاح والتسامح وبالتمسك بقيم العلمانية اللادينية. ولكن لماذا حاجة إسرائيل إلى المهاجرين الجدد؟.
استناداً إلى الأرقام الإسرائيلية الرسمية فإن عدد سكان إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة معاً يبلغ 10 ملايين و300 ألف. منهم 5.4 مليون يهودي و4.9 مليون عربي. غير أنه في ضوء التباين في نسبة الولادة عند اليهود والعرب، فإن عدد العرب سوف يزيد على عدد اليهود بعد حوالي عشر سنوات. كانت إسرائيل تعتمد - وما زالت - على المهاجرين الذين تحرضهم على الهجرة إليها من أستراليا وكندا وأوروبا وحتى من الولايات المتحدة. ففي عام 1990 وحده هاجر إلى إسرائيل 200 ألف يهودي من مختلف هذه الدول. غير أن نسبة المهاجرين تراجعت بشكل حاد نتيجة الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية والمستمرة حتى اليوم، لما تسببه من تدهور أمني واجتماعي واقتصادي في إسرائيل. وقد بلغ عدد المهاجرين إلى إسرائيل في عام 2003 ما مجموعه 25 ألفاً فقط. أي أقل بحوالي 9 مرات عن عام 1990.
لم تعد هناك إمكانية للتهجير من روسيا أو من أثيوبيا. ولذلك كان التوجه نحو يهود فرنسا. ولكن تهجير اليهود يحتاج إلى مبرر، وأفضل مبرر هو إثارة نعرة اللاسامية. وهذا ما فعله الجنرال شارون معتقداً على ما يبدو أنه يسير على خطى هرتزل بتوظيف "المنطق الدريفوسي".
يدّعي اليهود أن عشرة من اثني عشر سبطاً (جماعة) منهم قد ضاعوا في الشتات إثر الاجتياح الذي شنه عليهم الآشوريون بقيادة ملكهم نبوخذنصر في عام 721 قبل الميلاد. وهو الاجتياح الذي أدى إلى تدمير الهيكل الأول وسبي اليهود إلى بابل، إلى أن حرّرهم قورش ملك الفرس وأعادهم إلى إسرائيل، ليفتك بهم الرومان وليدمروا هيكلهم الثاني. ويدّعي اليهود أيضاً أن البحث عن هذه الأسباط الضائعة أدى إلى اكتشاف يهود الفلاشا في أثيوبيا الذين نقلوا إلى إسرائيل بمساعدة سودانية في عهد الرئيس السابق جعفر نميري. وهم يعملون اليوم في المصانع وفي المزارع خاصة في منطقة الجليل المتاخمة للبنان. ويدعي اليهود كذلك أن البحث أدى إلى التعرّف على سبط ثانٍ منهم وصل إلى منغوليا في شمال الصين. أما الاكتشاف الجديد فهو العثور على جماعة في شرق الهند تقول إسرائيل إنها من سبط أشود التي تاهت منذ القرن الثامن قبل الميلاد(؟) وتستعد إسرائيل الآن لنقل أفرادها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن أجل تسهيل الهجرة أقرّ الكنيست قانوناً ينص على اعتبار كل يهودي مواطناً إسرائيلياً بمجرد وصوله إلى إسرائيل أو إلى أي سفارة إسرائيلية في العالم.
وينص القانون أيضاً على منح كل شخص يدّعي أنه يهودي حق الإقامة والعمل في إسرائيل إلى أن يثبت ادعاؤه. وبموجب هذه المادة في القانون هاجر إلى إسرائيل عشرات الآلاف من الروس ومن الأوروبيين الشرقيين غير اليهود، مدّعين أنهم يهود، أملاً في الحصول على المساعدات الاجتماعية والصحية التي تقدم إليهم في إسرائيل حيث تتوفر أيضاً فرص العمل أكثر من توفرها في روسيا.
وكان التقليد الديني اليهودي - الأرثوذكسي - يقول إن اليهودي هو من كانت أمه يهودية. وبالتالي فإن باب الدعوة إلى اليهودية مقفل في وجه كل الناس. أما الآن، وبسبب الحاجة إلى مستوطنين، فقد استحدث تقليد جديد - إصلاحي - يقول بتهويد من يدّعي أنه من أصل يهودي. فالمهم هو أن يؤدي التهويد إلى الولاء لإسرائيل والعداء للعرب.
وسواء كانت الادعاءات بشأن الأسباط الضائعة والتي يتم اكتشافها تباعاً، صحيحة أو غير صحيحة، فإن الوجه الآخر لهذه القضية يتمثل بالشعب الفلسطيني غير الضائع والذي لا يحتاج إلى من يكتشفه.
فالهجرة إلى إسرائيل تتطلب: احتلال المزيد من الأراضي، ومصادرة المزيد من المياه وبناء المزيد من المستعمرات، وإبعاد المزيد من الفلسطينيين. ويطرح هذا المنطق قضية على درجة كبيرة من الأهمية. وهي قضية ازدواجية الولاء اليهودي في كل دولة تضم جالية يهودية، سواء في أوروبا أو في أميركا اللاتينية. وفي الولايات المتحدة وقعت فضيحة جوناثان بولارد في عام 1987 وهو يهودي أميركي خان الولايات المتحدة وسرّب معلومات سرية إلى إسرائيل تشكل خطراً على الأمن الأميركي.
وقد حكم عليه بالسجن ولا يزال سجيناً حتى اليوم رغم كل محاولات إسرائيل واللوبي الصهيوني لإطلاق سراحه. ذلك أن قضية جوناثان بولارد لم تكن الأولى التي تهز المجتمع الأميركي. فقد سبقتها قضية شبيرو وهو عالم يهودي كان يعمل في إحدى المحطات النووية الأميركية (محطة أبولو في بنسلفانيا)، وتمكن من خلال ذلك من تهريب كميات كبيرة من اليورانيوم المخصّب إلى إسرائيل، الأمر الذي ساعدها على تشغيل مفاعل "ديمونا" في النقب لإنتاج ترسانة نووية يعتقد الآن أنها تضم أكثر من ألفي عبوة نووية. ورغم خطورة تلك العملية فقد تمكن اللوبي الصهيوني من طمس معالمها واحتواء ردات فعل العلماء والسياسيين والعسكريين الأميركيين.
في الأساس يعزى قيام الحركة الصهيونية في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1830-1850) إلى هزيمة الحركات الديمقراطية الغربية لمصلحة الحركات القومية. كانت تلازم الحركات الديمقراطية المهزومة حركات يهودية مثل حركة مندلسون وحركة الهسكالا التي دعت اليهود إلى الانصهار في المجتمعات التي يعيشون فيها في إطار تميزهم الديني. وبانتصار الحركات القومية تحولت الحركة اليهودية إلى الصهيونية القومية العنصرية انطلاقاً من مبادرة هرتزل. غير أن الوضع الآن تغير في أوروبا خاصة وفي الغرب عامة. وتقدمت الديمقراطية على القومية. إلا أن الحركة الصهيونية ظلت محافظة على مواقعها. هذا الواقع يطرح ازدواجية الولاء اليهودي على النحو الذي كشفته أحداث عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا مشابهة لقضية دريفوس في فرنسا أو لقضيتي بولارد وشبيرو في الولايات المتحدة. والحبل على الجرار...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق